محمد بن جعفر الكتاني

388

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وسمعت بعض من ينسب إلى الخير في هذا الوقت يثني عليه كثيرا ، ويحكي عنه عجائب ، ويقول : « إنه كان موسوي المقام » . وسمعته مرة أخرى يقول : « إنه كان من أكابر الأولياء ، وممن يحضر الديوان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم » ، وأصحابه إلى الآن يحكون عنه كرامات ، وينسبون له خوارق عادات . وأخبرني بعض الثقات أنه : دخل عليه مرة وهو مريض يعوده ؛ فقال له : « إن اللّه عزّ وجل قد أطلعني على أمور منها ما يحكى ومنها ما لا يحكى » ، قال : « ثم أشار لي إلى أن السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن الحسني العلوي - رحمه اللّه تعالى - قد دنا أجله ؛ فكان كذلك توفي عقب ذلك بزمن يسير » . قلت : وكانت وفاته عند زوال يوم الخميس ، ثامن عشر شهر اللّه رجب عام تسعين ومائتين وألف بمراكش ، ودفن بها بقبة [ 340 ] الأشراف . وقد أدركت صاحب الترجمة وزرته مرارا ، وجالسته وتبركت به ، وعدته مرة مع بعض الإخوان في مرض مرضه ؛ فأحضر لنا طعاما ، فقلنا له : « ورد في الحديث أن من عاد مريضا وأكل عنده كان ذلك حظه من الأجر » . فقال لنا : « أنا لا أعرف هذا الحديث ، وإنما أعرف حديث : من عاد مريضا ولم يأكل عنده ؛ فكأنما عاد ميتا » . قلت : والأول : ذكره السيوطي في جامعيه ، وعزاه للديلمي في " مسند الفردوس " عن أبي أمامة الباهلي ، ولفظه : « إذا عاد أحدكم مريضا ؛ فلا يأكل عنده شيئا ، فإنه حظه من عبادته » ، قال المناوي في " التيسير " : « وسنده ضعيف » . أي : لأن فيه موسى بن وردان ؛ أورده الذهبي في الضعفاء ؛ وقال : « ضعفه ابن معين » . والثاني : وقفت عليه في كناش الفقيه الصوفي أبي عبد اللّه سيدي محمد بن عبد اللطيف جسّوس بخطه ، لكنه لم يعزه لأحد ، ولم يذكر له مخرجا ، واللّه أعلم به . نعم : أخرج الطبراني في " الأوسط " عن حميد الطويل عن أنس أنه : دخل عليه قوم يعودونه في مرض له ؛ فقال : يا جارية ؛ هلمي لأصحابنا ولو كسرا ؛ فإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « مكارم الأخلاق من أعمال الجنة » . أورده المنذري في " الترغيب والترهيب " ، وصدره بعد ، وقال عقبه : إسناده جيد . وهو شاهد صحيح لما فعله صاحب الترجمة ، وقرر المناوي في " شرح الجامع " حديث أبي أمامة على ظاهره ، وقال في معنى : « فإنه حظه من عيادته » ، أي : « فلا ثواب له فيها » ، قال : « ويظهر أن مثل الأكل : شرب نحو السكر ، فهو محبط لثواب العيادة » ، ونقله العزيزي وأقره . والظاهر : تقييده بما إذا كان المقصود من العيادة هو الأكل ، فإذا كان هو الحامل له عليها ، ودخل على المريض ؛ فينبغي له الرجوع عن هذا القصد ، وتصحيح النية ، واجتناب الأكل ؛ ليتم له ذلك ، فإذا أكل ؛ كان ذلك علامة على كذبه وبطلان ما ادعاه من هذا القصد الثاني ، وبطل أجره ؛ لأنه قاصد